تاريخ المكتبات العربية من بيت الحكمة إلى اليوم
رحلة في تاريخ المكتبة العربية: من الورق وبيت الحكمة في بغداد، إلى دار العلم في القاهرة ومكتبة قرطبة وسوق الورّاقين، ثم دار الكتب والمكتبات الرقمية.
حين اخترنا اسم «مكتبة الوراق» لم نختره مصادفة. فالورّاقون، نسّاخ الكتب وباعتها، كانوا عصب الحياة الثقافية في المدن العربية لقرون. وقصتهم جزء من قصة أكبر: قصة المكتبة العربية، من خزائن الخلفاء إلى المكتبات الرقمية التي تحملها اليوم في جيبك.
ثورة الورق
قبل أن تولد المكتبات الكبرى كان لا بد من مادة رخيصة للكتابة. كان الناس يكتبون على البردي والرَّق (الجلد)، وكلاهما غالٍ أو قليل. ثم وصلت صناعة الورق من الصين إلى سمرقند في القرن الثامن الميلادي، وتقول الروايات إن صنّاعاً صينيين أُسروا في معركة جرت هناك نقلوا أسرارها. وسرعان ما انتشرت المصانع إلى بغداد في أواخر القرن نفسه، ثم إلى دمشق والقاهرة والأندلس.
غيّر الورق كل شيء: صار الكتاب أرخص، والنسخ أسرع، وصار في وسع العالم والطالب والتاجر أن يقتني كتباً. ومن هنا بدأ عصر المكتبات العربية الكبرى.
بيت الحكمة في بغداد
أشهر اسم في تاريخ المكتبة العربية «بيت الحكمة» في بغداد. بدأ خزانةً لكتب الخلفاء العباسيين في عهد هارون الرشيد، ثم ازدهر في عهد ابنه المأمون (198–218 هـ / 813–833 م)، الذي شجع ترجمة كتب اليونان والفرس والهند في الطب والفلسفة والرياضيات والفلك.
عمل في هذه الحركة مترجمون كبار مثل حنين بن إسحاق، الذي نقل كثيراً من كتب جالينوس وأبقراط، وارتبط بها علماء مثل الخوارزمي، الذي كتب كتابه في الجبر في بغداد في ذلك العصر. ويختلف المؤرخون اليوم في حجم بيت الحكمة وطبيعته: هل كان أكاديمية منظمة أم مكتبة ملكية واسعة؟ لكنه صار رمزاً لعصر كانت فيه بغداد عاصمة المعرفة في العالم.
وانتهت قصته مع سقوط بغداد على يد المغول سنة 656 هـ (1258 م). وتقول الروايات إن مياه دجلة اسودّت من حبر الكتب التي أُلقيت فيها، وهي صورة قد يكون فيها مبالغة، لكنها تعبّر عن حجم الخسارة في ذاكرة الناس.
سوق الورّاقين
إلى جانب خزائن الخلفاء كانت هناك مكتبات الناس: دكاكين الورّاقين. يذكر الجغرافي اليعقوبي في القرن الثالث الهجري أن في بغداد سوقاً للورّاقين فيه أكثر من مئة حانوت. كان الورّاق ينسخ الكتب ويبيعها، ويجلّدها أحياناً، وكان دكانه مجلساً يلتقي فيه العلماء والأدباء والطلاب.
وتُروى عن الجاحظ حكاية طريفة، أنه كان يستأجر دكاكين الورّاقين ليلاً ليقرأ ما فيها من كتب. ومن أشهر الورّاقين ابن النديم، الذي كتب سنة 377 هـ (987 م) كتاب «الفهرست»، وهو فهرس لكل الكتب التي عرفها في العربية، مع أخبار مؤلفيها. ونحب أن نرى مكتبة الوراق فهرساً على طريقته، بأدوات زماننا. ويمكنك أن تتعرف على الجاحظ نفسه في صفحته في المكتبة.
دار العلم في القاهرة
في سنة 395 هـ (1005 م) أسس الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله في القاهرة «دار العلم»، وجعلها مفتوحة للناس. ويذكر المقريزي أنها كانت تضم كتباً في كل العلوم، وأن الزائرين كانوا يجدون فيها الورق والحبر والأقلام لينسخوا ما يشاؤون، وكان فيها قرّاء وفقهاء وأطباء يجلسون للتدريس. وكانت للفاطميين أيضاً خزائن كتب ضخمة في قصورهم، تفرقت مع نهاية دولتهم.
مكتبة قرطبة
وفي الطرف الآخر من العالم الإسلامي جمع الخليفة الأموي الحكم الثاني في قرطبة (حكم 350–366 هـ / 961–976 م) مكتبة هائلة، فكان يرسل رجاله إلى المشرق ليشتروا الكتب فور تأليفها. وتذكر المصادر أرقاماً كبيرة لعدد كتبها، تصل إلى أربعمئة ألف مجلد، وأن فهارسها وحدها ملأت عشرات المجلدات. قد تكون الأرقام مبالغاً فيها، لكنها تدل على مكانة الكتاب في الأندلس. وتفرقت هذه المكتبة في الفتن التي عصفت بقرطبة بعد ذلك. ولمعرفة المزيد عن تلك الحضارة اقرأ مقالنا عن الكتب التاريخية المفتوحة عن الأندلس.
مكتبات المساجد والمدارس
لم تكن المكتبات حكراً على الخلفاء. فقد ألحقت المساجد الكبرى والمدارس مكتبات بها، وكان الأغنياء يوقفون كتبهم عليها ليقرأها الناس. ومن أعرقها مكتبة جامع القرويين في فاس، الذي أسسته فاطمة الفهرية سنة 245 هـ (859 م)، وأنشأ فيه السلطان المريني أبو عنان مكتبة في القرن الثامن الهجري ما زالت قائمة إلى اليوم.
الوقف: مكتبة للجميع
ومن أجمل ما في تاريخ المكتبات العربية نظام «الوقف»، فقد كان الأغنياء والعلماء يوقفون كتبهم على طلاب العلم، فتبقى في المساجد والمدارس متاحة للقراءة، ولا يجوز بيعها. وكثير من المخطوطات التي وصلتنا إنما حُفظت لأنها كانت وقفاً في مكتبة عامة. والمكتبات الرقمية المفتوحة اليوم تشبه هذا الوقف القديم: كتب للجميع، بلا ثمن.
من المطبعة إلى دار الكتب
مع القرن التاسع عشر دخلت المطبعة حياة العرب، فأسس محمد علي مطبعة بولاق في القاهرة سنة 1820، ومنها خرجت طبعات كثيرة من كتب التراث. وفي سنة 1870 تأسست «الكتبخانة الخديوية» بمبادرة من علي مبارك، وهي التي صارت «دار الكتب المصرية»، وجمعت مخطوطات المساجد والمدارس في مكان واحد. وفي سنة 2002 افتُتحت مكتبة الإسكندرية الجديدة، إحياءً لذكرى المكتبة القديمة الشهيرة.
وفي «تاريخ التمدن الإسلامي» لجرجي زيدان، الذي يبدأ بالجزء الأول، فصول عن العلم والكتب في الحضارة الإسلامية، لمن أراد التوسع.
المكتبة الرقمية: الورّاق الجديد
اليوم لم يعد الكتاب بحاجة إلى ورق ولا إلى نسّاخ. مشاريع مثل مشروع غوتنبرغ ومكتبة HathiTrust وويكي مصدر وأرشيف الإنترنت حفظت ملايين الكتب القديمة، ومؤسسة هنداوي تتيح آلاف الكتب العربية مجاناً. لكن الحاجة إلى الورّاق باقية: من يرتّب هذه الكتب، ويصنّفها، ويدلّ القارئ على ما يبحث عنه.
هذا ما تحاول مكتبة الوراق أن تفعله: أن تكون سوق ورّاقين حديثاً، يجتمع فيه أكثر من مليون كتاب، ويصل فيه القارئ إلى الكتاب في مصدره القانوني بنقرة. تصفّح الكتب العربية لتبدأ رحلتك في مكتبة لا تغلق أبوابها.